الزار .. محاولة يائسة لإرضاء ملوك الجن

 

لأن الموروث الشعبي يعد من أقوى التقاليد الثابتة ، فإنه دائماً يكون مثاراً للجدل .. ومصدراً للقلق لدى الإنسان الذي يحاول التمرد عليه بعد أن يصل إلى مرحلة بعينها من الثقافة والوعي .. ومع إيماننا الكامل بقيمة هذا الموروث وقدرته على تشكيل ملامح الهوية والشخصية .. إلا أن هناك بعض الظواهر التي تعتبر بحاجة إلى إعادة نظر وبحاجة إلى التساؤل .. خاصة إنها ظواهر في طقوسها تحمل بداخلها ما هو ينتفي مع معتقداتنا الدينية . هذا التعارض هو الذي يجعلنا نقف أمام مثل هذه الظواهر التي تعتبر جذورها ملمحاً شعبياً .. ولكنها لا تنتمي إلى حد كبير إلى ما يمكن أن نحافظ عليه حرصاً على وجودنا وهويتنا ..

من هذه الظواهر الغريبة .. ظاهرة ( الزار ) هذه الظاهرة التي تعتمد في طقسها الخاص على الرقص الهستيري وتغييب العقل مع رقصة أشبه بالتنورة حول البخور وبعض الأعشاب الغريبة .. نجد أن أساسها هو تغييب العقل للدخول في حالة من التوهان التي توهم الإنسان بخروج ( الجن ) من جسده .. ويتم الغناء فيه بكثير من اللهجات .. السودانية - التركية  ، وتجدها لارضاء أو استرضاء هذا ( الجن) الذي مس هذه المرأة أو هذا الرجل .. وظلت هذه الظاهرة لفترة طويلة تفرض نفسها على الساحة .. وتحولت في بعض المراحل إلى عمليات نصب مثلما صورتها السينما كثيراً في أعمال منها ( الهلفوت ، دقة زار ، إسماعيل ياسين في الأسطول ، عتبة الستات ، البيضة والحجر ) وغيرها من الأعمال التي حاولت كشف ألاعيب أصحاب هذه الممارسات واستغلالهم لأزمات بعض النساء وبعض الرجال.

ولخطورة هذه الظاهرة وأن كانت قاربت على الاختفاء ، كان لابد وأن نقف قليلاً مع بعض المتخصصين لنقرأ معهم جذورها واحتمالات استمرارها .. يرى الأستاذ / فاروق خورشيد – أستاذ الفولكلور والمشرف على مجلة الفنون الشعبية أن هذه الظاهرة في طريقها للانقراض وأن وجودها النادر حالياً يعود لأنها ممارسة شعبية لها جذور في المعتقد الشعبي ، لكن هذا المعتقد كما يرى أ.خورشيد قد تغير بالتغير الحاصل في أمور الحياة فلم يعد هناك ارتباط جذري بينما كان عليه من قبل وفقد الزار القديمة عندما كان مرتبطاً بمقولات حول الجن ، ونجدها كلها أموراً انتهت من الممارسة الشعبية في كل الأوساط .. وصلت محلها أشياء جديدة بحول الثقافة والوعي ، ونمو الوعي الديني تحولت الظاهرة إلى مجرد ( تقليعة ) تمارسها بعض الأسر الثرية للاستمتاع بحالة الغياب والرقص ليس أكثر .. فهي ظاهرة تعطي نوعاً من الفرجة الممتعة !!

وحول جذور هذه الظاهرة يقول الأستاذ / فاروق خورشيد : الزار منذ مهده قبل ظهور الأديان السماوية هو محاولة أو مساعدة طقسية تساهم في إخراج الحزن من الجسد وبعد ذلك اصبح مساعدة لإخراج الجن .. هو معتقد سحري قديم .. جذوره تصل إلى المعابد والإشارة إلى ملوك الجن ومحاولة إرضاء الجن كي يبعد كان أشبه بعلم ( الرقة ) وهو نوع من الطب الشعبي الذي كان يمارسه القدماء للعلاج من كثير من الأمراض النفسية .

لكن اليوم تحولت المسالة وأصبحت المصحات النفسية هي مكان العلاج .. أما الزار وغيره من الظواهر أصبحت مجرد ( شبه ) لأشياء قديمة فيها متعة ، ولكن لن تجد اليوم امرأة تقتنع بفكرة القربان ودم الفدية الذي تلطخ به نفسها تقرباً لإرضاء الجن كي يتركها .. لكنها تحولت إلى بقايا طقوس وإشارات لمعتقدات قديمة .. لكن الظاهرة ، أعتقد أنها انتهت أو قاربت على الانتهاء تماماً .

شبكة التاج الذهبى  -- أحمد رشاد

Free Web Hosting